القاضي عبد الجبار الهمذاني

161

تثبيت دلائل النبوة

ولا تغني عنا ، وما زال يدبرهم بهذا التدبير ويقول هذا القول ، وانه ما ينبغي ان يعبد أحد ما لا ينفعه ، وهذا وقت الحاجة وأوان الشدة فما تدفع هذه الكواكب عنا ، فينبغي ان يستبصر الانسان ويعبد ما ينفعه ويدفع عنه . ثم قال : هاهنا امرأة رأت في منامها قائلا يقول لها استنصروا بهذا ، واخرج إليهم صليبا . واتفق موت أمير الجند الذي غزاهم فانصرفوا عنهم ، فقال هو ومن كان على رأيه وهواه هذا ببركة الصليب . وكانت عادة الروم ان تجعل على راياتها الأهلة وما هو على صورة الهلال تبركا بالقمر والنجوم ولأن القمر / أخف الكواكب سيرا ، فحطوها وجعلوا مكانها الصلبان فهم على هذا إلى هذه الغاية . ثم ابتدأ في التدبير في نقل الروم عن تعظيم الكواكب إلى تعظيم الصلبان ، وكان الفلاسفة في بلدهم كثيرين ، وكانوا يعظمون الكواكب ، ويدعون انها حية ناطقة ، ويستطيلون على الناس ، ويدلون على الملوك ، ويدعون انهم أخص الخاصة ، ولا يتكسبون ، ويعتادون البطالة ، ويعولون على أموال الناس ، ويفسدون الأحداث ومن يصغي إليهم من ملك أو سوقة ، ويدعون العزائم والطلسمات وانهم ينفعون بها ويضرون ، وانهم يدركون علم المغيبات بصنعة النجوم ، ويهولون بالهندسة والأشكال . وكان قسطنطينوس هذا خبيثا مفكرا صبورا متصفحا امر هؤلاء الفلاسفة وما يدعونه في النجوم والطلسمات فوجده باطلا كله ، وجد القوم محتالين ممخرقين ومفسدين ، فابتدأ في قتلهم على طبقاتهم ، وفي احراق كتبهم وابطال هياكلهم . فمكث على ذلك حتى خلت أبنيته منهم ، وكانت مدينة الفلاسفة فما بقي منها إلا حرّاث ودبّاغ وصبّاغ ، وجعل الهياكل التي كانت للكواكب بيعا ، وأسكنها الرهبان وقال : هؤلاء المساكين أرجى من أولئك الجهال الممخرقين الكذابين ، وسلط